الشيخ محمد رشيد رضا
419
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التي ينشرونها في صحفهم وكتبهم ، بل قال بعض علماء الاجتماع : إن نشر التجار للإعلانات التي يمدحون بها سلعهم وبضائعهم ويدلون الناس على الأماكن التي تباع فيها هو عمل بهذه القاعدة فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء ولو من المتهم في مدحه لا بد ان يؤثر فيه ، وقال الأستاذ الإمام تقدم صدر هذه الآية في هذه السورة وتتمتها هناك « ومن يشرك بالله فقد افترى إثما مبينا » وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم ودعوتهم إلى الايمان بما أنزله اللّه على نبيه مصدقا لما معهم ، فقد بين لهم ان اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات - فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب ، فهذا مما قد تناله المغفرة ، واما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يغفر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشرك . والآيات التي قبل هذه الآية تفيد ان السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان ان مشاقة الرسول ومخالفته انما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك لان التوحيد روح الدين وقوامه ، فالمناسبة هنا تقتضي ان يعاد هذا المعنى ، وهي إعادة تنادي البلاغة بطلبها ولا تعدّ من التكرار الذي قالوا إنه ينافي البلاغة ، فان هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرا جديدا ولا تمكينا للمعني . وأما ما يفيد شيئا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة اه أقول إن هذا يقال على تقدير كون القرآن يوجه إلى كل فرد من افراد المكلفين وانهم جميعهم يسمعونه أو يتلونه كله ويتذكرون عند كل سياق ما يناسبه في غيره ، وإذا أنت تذكرت ان اللّه تعالى يعلم أن الامر لا يكون كذلك وانه ربما يسمع هذا السياق الذي جاءت هذه الآية فيه من لم يكن سمع ذلك السياق الذي جاءت فيه الأخرى سواء كان ذلك في الصلاة أو غير الصلاة ، فإنك تجزم بأنه لا محل لجعل هذه الآية من التكرار الذي يفرون منه ، لأنه في هذه الحال يكون من قبيل ذكر الشاعر لمعني من المعاني في قصيدتين يمدح في كل واحدة منهما رجلا